اخر الاخبار - "كتابة بحروف كبيرة": أنواعٌ للتأمّل والصبر

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
مقارنة بأقرانه من روّاد الجيل الجديد، وأصحاب الرؤى المغايرة في السينما الرومانية المعاصرة، يتميّز رادو جود (1977) بابتعاده المقصود عن الواقع الآني في رومانيا، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وبانغماسه التام، إلى درجة الهوس، في البحث والتنقيب عن المسكوت عنه في التاريخ الروماني، بدءاً من القرن الـ19 حتّى انهيار الشيوعية مع سقوط نظام الديكتاتور نيكولاي تشاوتشيسكو، وإعدامه في 25 ديسمبر/كانون الأول 1989.

يُعتبر رادو جود من المخرجين الرومانيين القلائل ذوي الإنتاج الغزير، الموزّع بين الروائي والوثائقي. برز اهتمامه الواضح بالتاريخ مع الروائيِّيَن "عفارم" (2015)، عن الغجر العبيد في رومانيا القرن الـ19، و"لا يهمّني إنْ أداننا التاريخ كبرابرة" (2018)، كاشفاً جريمة حرب مكتملة الأركان في التاريخ المعاصر لبلده، تتمثّل بارتكاب الجيش، عام 1941، مذبحة عرقية، ضحيتها عشرات آلاف اليهود وغيرهم بعد أسرهم، أطلق عليها اسم "مذبحة الأوديسة"، المدينة الأوكرانية الخاضعة حينها للاحتلال الروماني.

فيلمان وثائقيان له يندرجان في الإطار نفسه: "الأمة الميتة" (2017) يستعرض صُوَراً فوتوغرافية كثيرة، مُلتَقَطة في إحدى القرى الرومانية، في ثلاثينيات القرن الـ20 وأربعينياته، تُظهر الاضطهاد الذي تعرّض له اليهود والغجر وغيرهم من الأقليات على أيدي الرومانيين. و"الخروج من القطارات" (2020) يتناول مذبحة أخرى ارتكبها الألمان بالتواطؤ مع السلطة الرومانية، ضحيتها 10 آلاف يهودي روماني.

في "كتابة بحروف كبيرة"، يستعيد رادو جود الحقبة الشيوعية للمرّة الأولى، من دون التطرّق إلى أفعال القتل بحق آلاف البشر، ولا إلى مذابح لم يُلقَ الضوء عليها. جديده هذا يروي حكاية شاب يتمرّد بمفرده على قمع نظام، بالتعبير عن رأيه بصراحة ومن دون خوف، في ظلّ منع تام لحرية الكلام، وتأميم الإعلام. إجراءات وُصِفت آنذاك بأنّها بالغة الصرامة، مقارنة بما كان عليه الأمر في الاتحاد السوفييتي مثلاً. فالقبضة الحديدية الباطشة للدولة، بما في ذلك شرطتها السرية "سيكوريتاتي"، المشهورة بكونها إحدى أعنف قوات الشرطة السرية في العالم، تهتزّ بشدّة، خريف 1981، وتحتشد ضدّ هذا الشاب.

مع بداية الثمانينيات الفائتة، أمر تشاوتشيسكو بتصدير أغلب الإنتاجين الزراعي والصناعي الرومانيين، لدفع الديون الخارجية الباهظة، ما أدّى إلى نقص المواد الغذائية والطاقة والوقود والأدوية وغيرها، وإلى ارتفاع الأسعار بشكلٍ جنوني، فانخفض مستوى المعيشة، وازداد السخط، وبدأ التذمر: "سئمنا الانتظار في طوابير لا نهاية لها"، كلمات كتبها موجور كالينسكو (17 عاماً) بالطبشور الأزرق والأبيض على جدران مقرّ الحزب الشيوعي الروماني، في مدينته "بوتوشاني"، ضد نقص الغذاء والسلع الرئيسية. الإدانة العلنية صادمة وغير مسبوقة نهائياً آنذاك، فاستُنفِرت قوات الأمن استثنائياً، مع تزايد وتيرة الكتابات في أرجاء المدينة، واتّساع رقعة المطالبة بالحرية وحقوق العمّال وتحسين ظروف العيش.

يستعرض الفيلم جانباً من شخصية موجور كالينسكو (سيربان لازاروفيتشي) وسلوكه المدرسي وعلاقته بالمدرّسين والطلبة والأصدقاء، وطبعاً حياته الأسرية وتوجّهاته وكيفية تشكّل أفكاره، ثم مُراقبته والتنصّت على منزله، وإلقاء القبض عليه، والتحقيقات التي أجريت معه، والتهم الموجّهة ضدّه، كالإرهاب لا التحريض فقط على العنف وقلب نظام الحكم.

"وسط الجبناء، لا يسعك القيام بأي شيء"، قال كالينسكو قاصداً الأصدقاء والزملاء والجيران والأهل، الذين خانوه أو وشوا به أو تجسّسوا عليه. فظلمهم بحقّه ونبذهم إياه وصدمته بهم أكبر من بطش الدولة. يؤكّد الفيلم، من دون جزم واضح، مقتل موجور على أيدي رجال الشرطة السرية، بترجيح التسميم التدريجي بمادة إشعاعية، تُضاف يومياً إلى القهوة المُقدّمة إليه أثناء التحقيقات. فهو توفّي فجأة، لأسبابٍ قيل إنّها متعلّقة بسرطان الدم، بعد 4 أعوام على إلقاء القبض عليه، وبدء التحقيقات معه، وسجنه ثم إطلاق سراحه.

"كتابة بحروف كبيرة" عمل يصعب تصنيفه سينمائياً. محاولة ناجحة وذكية لدمج التوثيق بالتعليق، والوثائقي بالروائي، والمسرح بالسينما. التعامل معه كفيلمٍ وثائقي يكشف سيره عكس المُتعارف عليه، إذْ تسود عادة المادة الأرشيفية، خصوصاً أنْ تكون نادرة، مصحوبةً بتعليقات معاصرة، أو إعادة تمثيل، أو ملء فجوات. للأرشيف فيه حضور بارز، لكنْ في خدمة الدراما لتفسيرها، أو لالتقاط الأنفاس وكسر رتابة الإيقاع.

تحتوي اللقطات الأرشيفية، المأخوذة من التلفزيون الروماني في الثمانينيات الفائتة، على مجموعة متنوّعة من الدعاية الثقافية والاجتماعية المُوجّهة والمُباشَرة. وتدلّ على دولة استبدادية لا ترغب في أيّ شيء، باستثناء تلقين المواطنين وتدجينهم. يظهر هذا جلياً، بما يُثير الضحك كثيراً، في الأغاني الوطنية وبرامج المنوّعات، حيث النفاق الفاضح لرجال الدولة والمواطنين. مثلاً: الحديث عن توفّر السلع والمستلزمات كلّها، وانعدام الأزمات، والعيش في عصر الرخاء، إلخ. هذا مدعومٌ بإعلانات عن الأجهزة المنزلية الحديثة، وغيرها من منتجات تلك الفترة.

من ناحية أخرى، يصعب اعتبار الفيلم روائياً، فهو أقرب إلى "مسرح الحجرة"، مع فرق واحد: لا أداء تمثيليا، بل إلقاء بارد وبريختيّ النهج. شهادات موجور ووالدته (إيوانا ياكوب) ووالده (أربان بافلو)، ومحقّقين وعملاء استخبارات وجيران وغيرهم، مونولوغات أو "ديالوغات" لوجوه خشبية بأصواتٍ خالية من كلّ تعبير، تؤدّى مُباشرة من دون حركة أمام الكاميرا، على خلفية ديكورات تجريدية في الاستديو، وأجهزة تسجيل ضخمة، وتلفزيونات عملاقة.

"كتابة بحروف كبيرة"، المنتهي بصُوَر حقيقية عن كالينسكو وشعاراته المُناهضة المكتوبة بالطبشور، غير مُشوّق وجاذب جماهيرياً، ربما بسبب طوله، أو كثرة الحوارات، أو طريقة التنفيذ السينمائيّ بنهجٍ مسرحي. لكنّه، في الوقت نفسه، ليس ضعيفاً، بل يحتاج فقط إلى تأمّل وتركيز وصبر، إذْ يخاطب العقل لا العاطفة.

يُحسَب لرادو جود محاولته تغيير الشكل التقليدي للفيلم الوثائقي/ الروائي، وطريقة سرد الأحداث. هذا حاوله سابقاً في فيلمه الروائي شبه المسرحي "لا يهمّني إنْ أداننا التاريخ كبرابرة".

---------------------------------------------------
مصدر الخبر الاصلي موقع : العربي الجديد

أخبار ذات صلة

0 تعليق